تعليم

كيف تبتعد دول منطقة الخليج عن الاعتماد على النفط

تاريخيًا يعتبر العالم العربي نقطة ساخنة للمخاطر العالمية، فعلى مدى العقود الماضية كانت العلاقة بين مخاطر البيئة الجيوسياسية المتوترة والمستويات المرتفعة لبطالة الشباب وعدم قدرة الحكومات على تنويع الاقتصادات من أكبر التحديات التي واجهت قادة المنطقة.

   

كانت استدامة عائدات النفط والغاز بين اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مصدر قلق كبير لعقود من الزمان مما أدى إلى عدد كبير من السياسات والرؤى والإصلاحات التي تركز على التنويع الاقتصادي، وفي الوقت نفسه، لا يزال الاعتماد على النفط والغاز أمرًا حيويًا لدول مجلس التعاون الخليجي نظرًا لمساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، حيث يمثل إنتاجه أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة باستثناء الإمارات العربية المتحدة والبحرين، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن تحويلات عائدات الهيدروكربونات تدعم بشكل غير مباشر النشاط غير النفطي في المنطقة، والتي تمثل أكثر من 70% من إجمالي الإيرادات في دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وقد سلطت جائحة كوفيد -19 في عام 2020 الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على النفط لتحقيق النمو، حيث أدى التباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن الوباء إلى انخفاض أسعار تداول النفط الخام من 64 دولار للبرميل في بداية عام 2020 إلى 23 دولار للبرميل في أبريل 2020، مما يضخم الحاجة إلى التنويع المستدام، قدر صندوق النقد الدولي أنه ما لم تنفذ دول مجلس التعاون الخليجي إصلاحات مالية واقتصادية كبيرة فإن احتياطياتها الأجنبية ستنضب بحلول عام 2034، ومن المرجح أن يكون الوباء قد اختصر هذا الجدول الزمني.

ولا يزال يتعين على منطقة مجلس التعاون الخليجي أن تفلت من هذه المرحلة حيث يتحول كل من الميزان المالي وميزان الحساب الجاري من الفائض إلى العجز، حتى مع وصول أسعار النفط إلى 70 دولار للبرميل فإن العديد من اقتصادات المنطقة ستكافح لتلبية مستويات التعادل المالي مما يزيد من إلحاح البحث عن مصادر جديدة للإيرادات.

الخروج من النفط

قامت العديد من الدول بجهود إصلاح كبيرة لتقليل الاعتماد على السلع الأساسية وهي خطط التنمية الاقتصادية لدول الخليج التي يطلق عليها عادة رؤية 2030 أو ما شابه والتي لها أهداف طموحة وكبيرة، وستعمل أهداف الرؤية على تحريك دول مجلس التعاون الخليجي في الاتجاه الصحيح في الانتقال بعيدًا عن النفط، وقد يوفر التنفيذ الناجح مخططًا للدول الأخرى التي تسعى جاهدة للتنويع من النفط.

على سبيل المثال: تقوم المملكة العربية السعودية بتنفيذ رؤية 2030 والتي تهدف إلى تحويل المجتمع وتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وزيادة مستوى الطموح في جميع أنحاء الدولة، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تُبذل الجهود على مستوى الإمارة ولا سيما في أبو ظبي ودبي وكلاهما لديه استراتيجية 2030 التي تهدف إلى تعزيز التصنيع الراقي (على سبيل المثال: في المعدات الطبية والفضاء)، وتهدف أبو ظبي إلى تنمية القطاع غير النفطي بأكثر من 7.5% سنويًا.

وهناك مبادرات مماثلة جارية في شمال أفريقيا، حققت الاتفاقيات التجارية المبرمة مع الاتحاد الأوروبي في مطلع الألفية بعض النجاح لا سيما في قطاع السيارات، حيث زادت الصادرات بنسبة 50% إلى 60% في مصر والمغرب وتضاعفت ثلاث مرات في تونس، ومع ذلك، لا تزال بلدان شمال إفريقيا تعتمد على عدد قليل من القطاعات بما في ذلك السياحة والزراعة والملابس وسوق الاتحاد الأوروبي.

توفر منطقة التجارة الحرة في القارة الأفريقية التي بدأت في عام 2021 فرصة مهمة للتنويع والتكامل على المستوى الإقليمي، بما في ذلك الروابط الخلفية الإقليمية لضمان مشاركة أوسع في سلاسل القيمة العالمية، ولكن لا يزال ضعف البنية التحتية والصلات بين الدول بحاجة إلى معالجة للاستفادة الكاملة من هذه الفرصة.

سياسات التنويع الطموحة

لقد أدرك صانعو السياسات في منطقة الخليج القضية الوشيكة وتصرفوا بشكل حاسم من خلال إدخال سياسات التنويع الطموحة، حيث بذلت المملكة العربية السعودية بالفعل جهودًا جريئة للاستفادة من سوق الهيدروجين الأخضر، فمن المقرر أن تزود محطة طاقة بقيمة 5 مليارات دولار تعمل بالطاقة الشمسية والرياح لمدينة نيوم المستقبلية المخطط لها في عام 2025، وقد جمعت الشركة السعودية للكهرباء 1.3 مليار دولار عن طريق بيع سندات مقومة بالدولار لأجل 5 و 10 سنوات لتمويل مشاريع رأس المال الأخضر.

وبالمثل، أصدر بنك قطر الوطني أول سندات خضراء له بقيمة 600 مليون دولار في سندات غير مضمونة لأجل 5 سنوات، وقامت دولة الإمارات بتكليف أول مصنع هيدروجين صديق للبيئة والذي يوفر الوقود لبعض السيارات خلال معرض إكسبو 2020، ومن المتوقع أن تزداد سعة الخلايا الكهروضوئية المركبة أربعة أضعاف من المستوى الحالي البالغ 2.1 جيجاوات بحلول نهاية عام 2025، وفي الوقت نفسه، تم إنشاء وكالات لدعم تنمية وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة مثل هيئة الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية وبنك قطر للتنمية وريادة العمانية في السنوات الأخيرة وكان لها تأثير ملحوظ على سهولة بدء الأعمال التجارية في تلك الاقتصادات.

على الرغم من تشجيع جهود التنويع، إلا أنه لا يزال تحقيق التغيير المنشود يمثل تحديًا أكبر للاقتصادات المخططة مركزيًا، مع بدء تلاشي ارتفاعات أسعار النفط ستحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة الاستثمار بشكل استراتيجي في مستقبل ما بعد النفط ومقاومة الضغط من المواطنين للحصول على مزيد من الدعم المالي ومواءمة الأجور ومزايا القطاع العام مع القطاع الخاص وتخصيص إنفاق حكومي إضافي لدعم الوظائف.

لا يزال القطاع العام هو صاحب العمل المفضل

كان نمو القطاع الخاص عاملاً أساسياً في بناء قطاع خاص محلي قوي وحيوي يوفر مزيد من فرص العمل للعدد الكبير المتزايد في الشباب الذين يدخلون سوق العمل حاليًا في جميع دول المنطقة.

في معظم دول المنطقة يظل القطاع العام هو صاحب العمل المفضل بسبب الاستقرار الوظيفي الملحوظ على مدى العمر، ولكن أيضًا لأن العديد من الأشخاص يفتقرون إلى المهارات المطلوبة في القطاع الخاص، ولا سيما المهارات الشخصية مثل العمل الجماعي ومواقف ريادة الأعمال وخفة الحركة.

يبدو أن الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة بيئيًا محفوفًا بالمخاطر للوهلة الأولى، لكن الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يوفر حلاً لتحدي البطالة.

ومع ذلك، فإن القطاع العام غير قادر على استيعاب جميع الشباب القادمين إلى السوق، يُعد نمو القطاع الخاص ضروريًا للاستقرار السياسي، لكنه يواجه عقبات بسبب البيئات التنظيمية الثقيلة والسلوك الريعي وتحديات الحوكمة وعدم اليقين السياسي.

تحدث بعض التطورات الإيجابية في أنظمة الشركات الناشئة المحلية التي ازدهرت في جميع أنحاء المنطقة وتم تمكينها من خلال نماذج الأعمال الرقمية التي تتغلب على بعض جمود بيئة الأعمال التقليدية وتستفيد من انتشار التقنيات الرقمية.

تقدر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن الالتزامات وخطط المشاريع الحالية يمكن أن تخلق 220 ألف فرصة عمل في دول مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2030.

وخلاصة القول، في حين أن التنويع الاقتصادي أمر بالغ الأهمية، فإن تحول الطاقة يوفر مسارات تعافي مرنة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمكن أن تضمن النمو المستقبلي وعقد أقوى بين الأجيال وقدرة أعلى على الصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى